بعد سبة بنكيران: النكافات, من تجسيدهن للموروث الثقافي إلى التنمر والقهر

لسنوات طِوال، كُنَّ مجسدات للثقافة الشعبية الأصيلة بحرصهن على تكريس التفاصيل الجمالية للتقاليد المغربية، في الأعراس والمُناسبات الخاصة، غير أن طقوس الفرحة والزغاريد الطويلة، غابت عن الأفق، فكان الصمتُ والحزنُ بديلا لها؛ مسَّ الأسى صفوف النكافات والموسيقيين ومموني الحفلات، وكافة من يُرافقونهن، إذ أرخت الأزمة بظلالها على القطاع، لدرجة أنهن أصبحن سبة، خاصة بالنسبة لرئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران


"النكافة" تُعنى بمهمة تزيين العرائس وتجهيزهن على مستوى أطقم اللباس والإكسسوار، غير أنه منذ إقرار التدابير الصحية المُصاحبة لتفشي فيروس كورونا، خاصة مع صدور قرار منع الأعراس، تكبدت المُشتغلات في ميدان تجميل وتجهيز العرائس، ويلات الخسائر المادية، فمنهن من طالبت بإدماجهن ضمن الفئات المعنية بالحصول على الدعم المادي المُباشر لرد الاعتبار لهن، ومنهن من عانت في صمت فأقفلت عليها باب منزلها في سكينة تُخفي خلفها الكثير من الخيبة

التنكافت فن أصيل

"التنكافت ليست بالشيء السهل، فهي تندرج ضمن المجال الفني" بهذه الكلمات انطلقت السيدة الورزازي، مُزينة عرائس في مدينة مراكش، مشيرة "لقد مسنا الأذى والضرر ولكن الحمد لله، نطلب من الله السلامة والتيسير، وفي المقابل لم نحصل على أي دعم، بالرغم من أنني لم أكن واحدة من النساء اللواتي نزلن للاحتجاج للشارع"


أما عن البدايات الحقيقية لمهنة تزيين العرائس، المعروفة اليوم باسم النكافة، يقول ملوك عدنان، مدير شركة لتمويل الحفلات بجهة مراكش آسفي، وعضو فيديرالية مموني الحفلات، "منذ التاريخ، ارتبطت الأعراس بالعائلة الملكية، انطلاقا من السلطان مولاي يوسف، وكانت الأعراس تحمل الكثير من الموروث الثقافي، واحتراما للعائلات الملكية، بات العرس في مدلوله الثقافي يُمثل طقوسا ملكية مُصغرة، الشيء الذي يُعطيه دلالات إيجابية"


"التنكيف لا يُعتبر شيء دونيا، بل يجب الافتخار بكل مزينة العرائس" يؤكد ملوك في حديثه لـ"نقاش 21" "بفعل قرار إيقاف الأعراس تم حرمانهن من مصدر رزقهن الأساسي، إذ أنهن لا يجيدون فعل أي شيء آخر، فـ"تنكافت" هي المهنة التي يقتاتون منها لقمة العيش الكريم، لكن للأسف نجدهن اليوم عُرضة للشارع".
وتُسند للنكافة في كل عرس، مهمة مُساعدة العرائس بارتداء الفساتين المغربية التقليدية، والاهتمام بكافة تفاصيل العروسة التي تجعل منها أكثر فتاة مُميزة داخل قاعة العُرس، ثم ترديد الزفة والزغرودة وما يُسمى بالتعشاق أو الصلاة على النبي


إذن النكافة لا تكون مُكلفة فقط باختيار الألوان واللباس، بل تكون حريصة على أن تظهر العروس في أبهى حلة، وتعمل في كثير من الأحيان كذلك في تقديم الدعم النفسي للعروس، وفض عدد من النزاعات التي قد تقع على هامش العُرس، بمعنى أن النكافة تكون بمثابة علبة أسرار العروس في ليلة العمر، وتوكل لها مهمة إعداد خطة لسير الحفلة باتفاق مع العائلة انطلاقا من اللحظة التي يدخل فيها العروسان للحفل على متن العمارية أو الحصان

هل مُسمى "النكافة" يُعد صفة قدحية؟

أثارت الخرجة الإعلامية التي قام بها عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق؛ نهاية الأسبوع الجاري، جُملة من الانتقادات العارمة التي مست عدد من المهن من قبيل مُزينات الأعراس "النكافات" أو الفنانين، الذين عمدوا للرد في عدد من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
فيما أكد مصدر مُقرب من عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، أن وصف عدد من الإعلاميين بـ”النكافة” في البث المُباشر ليوم أمس، لا يحمل أي دلالة قدحية، بالقول "لا يمكن اعتبار أن هذا الأمر إهانة للمرأة"، مشيرا أن "الإنسان يقوم بالمُبالغة في هذا الموضوع، لا غير، لكن هذا الأمر لا يحمل أي دلالات، وكل ما قيل غير صحيح"


وفي سياق حديثها عن تكريس مُسمى النكافة في النزاعات الشخصية، بطريقة سِلبية، زادت الورزازي "الآن نحن في زمن الكل فيه يتحدث ولا يعير بالا لحديثه، حيثُ قالت في لحظة غضب، نتجاوز عن الأمر ونراها مسألة عادية، والنكافة ليست بالصفة القدحية، أبدا بل هي مهنة تُفرح الأشخاص، نشتغل مع كافة الفئات الاجتماعية، من الفقيرة التي لا تمتلك شيء إلى الغنية"


وأكدت المُتحدثة نفسها، التي أشرفت على عدد من أفراح فئات اجتماعية مُختلفة، من بينهن فنانات مغربيات، "مثل هذه الأقوال لا تؤثر في شخصيتي أبدا، ولا أعيرها أي بال، وحتى لو عارضتُ وغضبتُ، إلى أين سأصل، هي كلمة قيلت في لحظة غضب ومرت في حال سبيلها، ونحن نعرف قيمتنا واعتبارنا".
"الدولة المغربية تتحمل جزء كبير من انحراف المُسمى الوظيفي لعدد من المهن، إذ لا زالت في المُجمل تُمثل مهنا غير مهيكلة، بالرغم من الاعتراف المُجتمعي بها" يؤكد محسن بنزاكور، أستاذ علم الاجتماع، بجامعة شعيب الدكالي: "نأسف ونخجل بان يكون هناك عدد من رجال السياسة، ممن يوظفون التنميط الاجتماعي، وهاذ الأمر هو دلالة على سفالة الفكر وضُعف الانتماء، وعلى عدم أحقية التجسيد"


وأعرب بنزاكور، في السياق ذاته، عن أسفه الكبير من الوصم الاجتماعي الذي باتت تُعاني منه عدد من النساء العاملات في جُل القطاعات غير المهيكلة من أهمها النكافة، بالقول: "إنها مهنة شريفة، تم تجريدها من كافة الحمولة الثقافية التي كانت تحملها، والإبقاء فقط في الزغروتة للدلالة على فراغ العقل، وهذا هو نوع من التقزيم الاجتماعي، غير مقبول"


"ليس هناك مهنة أشرف من مهنة، وفي الوقت الذي اعترفت فيه عدد من الدول المُختلفة بمهنة الدعارة، نحن لا زلنا نُقزم عدد من المهن التي احترفها النساء على مر السنوات، إذن يُمكن اعتبار أن نعت فُلان باسم النكافة هو إهانة لعدد كبير من النساء المغربيات اللواتي احترفت المهنة"

مهن مسها الوصم الاجتماعي

عدد من الأوصاف نجدها تستعمل بصفة قدحية وهي في أصلها مهن لنساء بعرق جبينهن، مثل "الشيخة" "طيابة الحمام" و"النكافة" يتابع ملوك، مردفا "مع الأسف إن مُسمى النكافة" متداولة في الثقافة الشعبية المغربية، لكن نجدها في دفتر المهن باسم مُزينة الأعراس، غير أن بعض الأشخاص يستعملونها بطريقة قدحية في وصف جُملة من زملائهم، لكن تظل للنكافة مكانة كبيرة ومحترمة جدا، لأنها هي مُزينة العروس، وهي ذات دلالة أصيلة"


من جهتها صفاء، التي تشتغل بالأساس من خلال حسابها على مواقع التواصل الاجتماعية، قالت "للأسف هناك عدد من المهن الشريفة التي يعتمدون توصيفها الإسمي في النزاعات الشخصية، وهذا الأمر أراه نوع من التنمر، ورغبة في إلصاق وصم اجتماعي بفئة معينة، وهو إجحاف في حقنا".
وتزيد المُتحدثة التي رفضت الظهور باسمها الحقيقي، "أنا حاصلة على شهادة ماستر، وشهادة أخرى في المعلوميات، ورفضت الوظيفة لألج مجال تنكافت في صيغته العصري، لأنه المجال الذي يثير شغفي واهتمامي" مشيرة "في البداية سمعت عددا من التعليقات السلبية، لكن فيما بعد تعلمت أن أُغلق سمعي عن كلام الآخرين، وأن أمضي في عملي بكل حب، كي تنعكس روحي الجميلة في صورة كل عروسة أشرف على تفاصيل ليلتها الأهم في العمر"


"نرفض بتاتا أي مس بنا، أو أي نعت سيء يُلصق بالمهنة التي تُعد مصدر رزقنا، والسبب الأبرز لإحياء الفرحة في آلاف المنازل المغربية، عيب أن تُجردونا من كافة التفاصيل التي تتعلق بمهنتها التي تتطلب تركيزا واحترافية، والإبقاء فقط على الزغروتة، لنعتنا بالرأس الفارغ" تؤكد المتحدثة نفسها.
محسن بنزاكور، أستاذ علم الاجتماع، بجامعة شعيب الدكالي، يقول في هذا الموضع إن "طيابة الحمام أو النكافة كانت لها مُهمة الربط بين الأسر، خصوصا أنه في المجتمع التقليدي كانت الأسر منغلقة على بعضها البعض، وكان يُمنح لهن عُنصر ثقة كبير، لكن مع كامل الأسف تغيرت المفاهيم، وأصبحت هذه المهن تتخذ طابعا ومنحى آخر، فنُسِب إليها البُعد الجنسي، تماما كما وقع لدور التدليك الصحي"


وزاد أستاذ علم الاجتماعي، في حديثه لـ"نقاش 21" بأنه في لحظات مُعينة احتقرت عدد من المهن، فاضطرت إثر ذلك عدد من النساء إلى تغيير مهنهن، مشيرا "المجتمع يتغير، والمنظومة الاجتماعية كذلك تتغير، وهو الشيء الذي انعكس على عدد من المهن، لكن هذا لا يمنع من القول، أنه هناك نساء يُمارسن هذه المهن كما يجب، وفي سياقها الرسمي".

متشبثات الأمل والصبر

منذ بداية تفشي فيروس كورونا، كنا الأوائل في تطبيق قواعد الحجر الصحي، كما طالبت به الحكومة، تلبية لنداء الوطن، وبعد مرور الأشهر قامت عدد من التنظيمات المهنية في القطاع، بالدفاع عن المهنة أمام الحكومة، ومع عدد من الجهات الوصية من قبيل وزارة التجارة والصناعة، ومع الغرف المهنية، ولجنة اليقظة، على غرار عدد من المهن الأخرى


وفي هذا الصدد تقول صفاء: "مهنتنا هي محاولة مستميتة لإبقاء جزء هام من التراث المغربي في الذاكرة، نعمل على إحياء الطقوس المغربية التقليدية الأصيلة" موضحة أن "المهنة غير مُهيلكة، إذ لا قانون يحمينا ولا أي دعم يُساندنا، عشنا مع الناس تفاصيل أفراحهم الجميلة، فتركونا في أقراحنا نُعاني، فلا تجعلوا معاناتنا تتضاعف"


من جهته أعرب ملوك عدنان، مدير شركة لتمويل الحفلات بجهة مراكش آسفي، وعضو فيديرالية مموني الحفلات، عن المعاناة التي تعيشها على إثرها العديد من مُحترفات مهنة تزيين العرائس، بالقول إن "عدد من النكافات ممن تملك مًعدات تساوي عشرة ملايين، هي اليوم تعرض مُعداتها للبيع في الشارع بمبلغ مليونين، في غياب المُقبلين عليه، والسبب يتعلق أساسا بفُقداننا لنظرة أفقية ومستقبلية لتدبير الحكومة لهذه الجائحة"


"النكافة اليوم هي الدينامو الأساس لقطاع شامل وكبير، مثل ممون الحفلات، المُصور، النقاشة، العاملين التقليدين، السوق، بمَعنى إن تضررت هي فإن قطاع كبير يمسه الضرر" موضحا أنه "يمكن القول إن العدد الإجمالي لمُجمل العاملين في قطاع الأعراس، يُناهز 2 المليون، وهم العاملين بشكل مباشر وغير مباشر، أغلبهم اليوم متضررين بنسبة 99 في المائة، أو عرضة للشارع"


وأكد المتحدث نفسه بأن "قطاع تنكيف الأعراس هو الأكثر تضررا، لأنه في البداية يُعتبر مصدر رزق لعدد من الشباب، ممن مثلا يساعدون "النكافة" في حمل العروس، الذين يعملون في الأعراس بشكل مياوم، وبدون أي عقد قانوني، ونفس الأمر يتعلق بالنقاشة، وبالبنات المُساعدة للنكافة في تزيين العروس"


"لكن مع كامل الأسف لم تستجب الحكومة مع مطالبنا المشروعة، والتي تطمح لاستمرار العمل لكن في ظل التقيد الصارم بالتدابير الصحية، إذ بنا نتخبط في عشوائية كبيرة، وصلت إلى حد إعلان عدد من الشركات الكبرى لتموين الحفلات لإفلاسها الكامل" يختم ملوك حديثه لـ"نقاش 21"